محمد جواد المحمودي

199

ترتيب الأمالي

يطلبونني ، ولو ظفروا بي لذهلوا عن طلب غيري » . فقام إليه عبد اللّه بن مسلم بن عقيل بن أبي طالب فقال : يا ابن رسول اللّه ، ما ذا يقول لنا النّاس إن نحن خذلنا شيخنا وكبيرنا وسيّدنا وابن سيّد الأعمام ، وابن نبيّنا سيّد الأنبياء ، لم نضرب معه بسيف ، ولم نقاتل معه برمح ، لا واللّه أو نرد موردك ، ونجعل أنفسنا دون نفسك ، ودماءنا دون دمك ، فإذا نحن فعلنا ذلك فقد قضينا ما علينا وخرجنا ممّا لزمنا . وقام إليه رجل يقال له زهير بن القين البجلي ، فقال : يا ابن رسول اللّه ، وددت أنّي قتلت ثمّ نشرت ، ثمّ قتلت ثمّ نشرت ، ثمّ قتلت ثمّ نشرت فيك وفي الّذين معك مئة قتلة ، وإنّ اللّه دفع بي عنكم أهل البيت . فقال له ولأصحابه : « جزيتم خيرا » . ثمّ إنّ الحسين عليه السّلام أمر بحفيرة فحفرت حول عسكره شبه الخندق ، وأمر فحشيت حطبا ، وأرسل عليّا ابنه عليه السّلام في ثلاثين فارسا وعشرين راجلا ليستقوا الماء ، وهم على وجل شديد ، وأنشأ الحسين عليه السّلام يقول : يا دهر أفّ لك من خليل * كم لك في الاشراق والأصيل من طالب وصاحب قتيل * والدهر لا يقنع بالبديل وإنّما الأمر إلى الجليل * وكلّ حيّ سالك سبيل ثمّ قال لأصحابه : « قوموا فاشربوا من الماء يكن آخر زادكم ، وتوضّؤوا واغتسلوا ، واغسلوا ثيابكم لتكون أكفانكم » . ثمّ صلّى بهم الفجر ، وعبّأهم تعبئة الحرب « 1 » ، وأمر بحفيرته الّتي حول عسكره فأضرمت بالنّار ، ليقاتل القوم من وجه واحد . وأقبل رجل من عسكر عمر بن سعد على فرس له ، يقال له : ابن أبي جويرية المزني ، فلمّا نظر إلى النّار تتّقد صفّق بيده ونادى : يا حسين وأصحاب حسين ، أبشروا بالنّار ، فقد تعجّلتموها في الدنيا !

--> ( 1 ) عبأ الشيء : هيّأه . يقال : عبأ المتاع : جعل بعضه فوق بعض ، وعبأ الجيش : جهّزه في مواضعه وهيّأه للحرب .